محمد بن جرير الطبري
40
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هذا فسأعينك ، أجعل لبصرك حجابا ، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك ، فأرخ عليه حجابه ، وأجعل للسانك بابا وغلقا ، فإذا خشيت فأغلق ، وأجعل لفرجك لباسا ، فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ يعني به : الدين والفرائض والحدود فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها قيل لهن : احملنها تؤدين حقها ، فقلن : لا نطيق ذلك وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا قيل له : أتحملها ؟ قال : نعم ، قيل : أتؤدي حقها ؟ قال : نعم ، قال الله : إنه كان ظلوما جهولا عن حقها . وقال آخرون : بل عنى بالأمانة في هذا الموضع : أمانات الناس . ذكر من قال ذلك : حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : ثنا إسحاق ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها أو قال : يكفر كل شيء إلا الأمانة ؛ يؤتى بصاحب الأمانة ، فيقال له : أد أمانتك ، فيقول : أي رب وقد ذهبت الدنيا ، ثلاثا ؛ فيقال : اذهبوا به إلى الهاوية فيذهب به إليها ، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها ، فيجدها هناك كهيئتها ، فيحملها ، فيضعها على عاتقه ، فيصعد بها إلى شفير جهنم ، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت ، فهوى في أثرها أبد الآبدين " . قالوا : والأمانة في الصلاة ، والأمانة في الصوم ، والأمانة في الحديث ؛ وأشد ذلك الودائع ، فلقيت البراء فقلت : ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله ؟ فقال : صدق . قال : شريك ، وثني عياش العامري عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، لم يذكر الأمانة في الصلاة ، وفي كل شيء . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : أخبرني ، عمرو بن الحارث ، عن ابن أبي هلال ، عن أبي حازم ، قال : إن الله عرض الأمانة على سماء الدنيا ، فأبت ؛ ثم التي تليها ، حتى فرغ منها ، ثم الأرضين ثم الجبال ، ثم عرضها على آدم ، فقال : نعم ، بين أذني وعاتقي . فثلاث آمرك بهن ، فإنهن لك عون : . . . إني جعلت لك لسانا بين لحيين ، فكفه عن كل شيء نهيتك عنه ؛ وجعلت لك فرجا وواريته ، فلا تكشفه إلى ما حرمت عليك . وقال آخرون : بل ذلك إنما عنى به ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده ، وخيانة قابيل أباه في قتله أخاه . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية ، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر ، حتى ولد له اثنان ، يقال لهما قابيل ، وهابيل ؛ وكان قابيل صاحب زرع ، وكان هابيل صاحب ضرع ، وكان قابيل أكبرهما ، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل ، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل ، فأبى عليه وقال : هي أختي ولدت معي ، وهي أحسن من أختك ، وأنا أحق أن أتزوجها ، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى ، وإنهما قربا قربانا إلى الله أيهما أحق بالجارية ، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما ، أي بمكة ينظر إليها ، قال الله لآدم : يا أدم هل تعلم أن لي بيتا في الأرض ؟ قال : اللهم لا ، قال : إن لي بيتا بمكة فأته ، فقال آدم